العنف بوصفه ميراثًا قراءة في رواية "حب بنكهة الموت"
رياض الحمادي
صورة عامة:
في "حب بنكهة الموت"، لأمة الخالق الظفيري، تُفتح بوابات العذاب الأنثوي على مصراعيها، كأن الرواية مرآة تنعكس فيها وجوه النساء المقهورات جيلًا بعد آخر. من "حسناء" التي تُساق إلى مصيرها البائس، كما تُساق الضحايا إلى الذبح، إلى "دعاء" التي تحاول أن تفكّ قيدها بصوت مبحوح من خلف جدران يختبئ وراءها تاريخ خفيّ من ألم مغلّف بالحب، ومن حب مغمّس بالخذلان.
الرواية الفائزة بجائزة السرد اليمني (حَزَاوي)- في دورتها الثالثة (2024)- تُسائل مفهوم السلطة الأبوية، وتكشف كيف يتوارثها الرجال، وكيف تُصبح البيوت– في صمتها– مقابر صغيرة للأرواح الحية. في لغتها يتمازج الواقعي بالرمزي، والسرد بالاعتراف، لتغدو الحكاية شهادة على مأساةٍ لا تخصّ امرأة بعينها، بل جرحًا جمعيًا ممتدًا في الذاكرة الأنثوية.
هذه الرواية صرخة إنسانية قبل أن تكون نسوية، ومرآة لذوات معذبة ماثلة في نساء مقهورات. وبقدر ما أن الرجل جلاد هو في الحين نفسه ضحية عنف موروث. تكشف الرواية كيف يُولد الشر من رحم الظلم، وكيف تُدفع المرأة والزوجة والأبناء إلى حافة الجنون في مجتمع تُسكت أصواتهم. إنها رواية عن الأنوثة الجريحة التي تبحث عن خلاصها بين رماد العنف ولهيب الحب، وهي أيضًا نموذج لقدرة الحياة على أن تُزهر ولو في تربةٍ مضمّخة بالموت.
جرائم المستقبل تبدأ في الماضي:
لا تبدأ رواية "حب بنكهة الموت" من نقطة الحدث، بل من نهايته تقريبًا: جريمة بشعة تهزّ الرأي العام. شابة تسلّم نفسها للشرطة بعد أن قتلت "المجني عليه". نرى إعلامًا يتسابق إلى تحويل المأساة إلى فرجة. ومنذ الصفحات الأولى نعرف ماذا حدث، لكن الرواية لا تُعنى بالسؤال الجنائي بقدر ما تُعنى بالسؤال الإنساني: كيف يُصنع هذا الوحش؟ ومن المسؤول الحقيقي؟
منذ الصفحات الأولى نعرف أن جريمةً مروِّعة قد وقعت، ونعرف أن دعاء هي الجانية التي سلّمت نفسها للشرطة بلا تردد. لكن الرواية تؤجّل الكشف عن هوية المجني عليه، ولا تضعه في مركز الصورة إلا في الفصول الأخيرة. هذا التأجيل جزء من هندسة التشويق نفسها: فالقارئ لا يُساق إلى السؤال البوليسي التقليدي "من القاتل؟"، بل إلى أسئلة أكثر إزعاجًا: من القتيل؟ ولماذا استحق في وعي القاتلة هذا المصير؟ وكيف تتكوّن جريمة كهذه ببطء؟
يتوزع التوتر السردي على مستويين: توتر معرفي متعلق بكشف هوية الضحية وعلاقته بالجانية. وتوتر مصيري متعلق بمصائر الشخصيات الأخرى، وبالمسار الذي ستنتهي إليه هذه الشبكة من العلاقات المعطوبة. الرواية لا تُراكم التشويق عبر المفاجآت، بل عبر التأجيل، والتقطيع الزمني، وتوزيع المعلومات بجرعات، بحيث يتحول القارئ من متلقٍ لحدث صادم إلى شاهد على تشكُّل الكارثة خطوة خطوة.
"الجاني" و"المجني عليه" هنا هما وصفان قضائيان، قانونيان، لكن معرفة الظروف التي أدت إلى هذه النتيجة ستجعل المجني عليه جانيًا والعكس. وهذا ما يحدث بالانتقال من زمن المستقبل- عام 2030م- إلى الماضي، 1970م. ثم يتصاعد الزمن بأحداثه وشخصياته إلى عام 1990 و 1991 لنرى كيف تسهم الأحداث السياسية- التي ظلت في هامش المشهد السردي- في تعميق القصة الاجتماعية. يقف السارد عند محطات زمنية أخرى: 2005 و 2020م وينتقل بالمكان من حجة إلى السعودية؛ لتبدأ قصة تبدو كأنها رواية أخرى مستقلة، لكنها تربطها في فصول تالية بما قبلها بعلاقة زواج شرعي بين الجنة والجحيم.
بهذا المعنى، لا تكتب الظفيري رواية جريمة وتشويق، بل سلسلة عنف، لا يكون القاتل فيها بداية الحكاية، بل نتيجتها. والرواية بهذا لا تصف جريمة واقعة في الحاضر ولا تحذر من وقوعها في المستقبل، بل تنبه إلى جريمة أكبر واقعة منذ زمن طويل. وقد سلكت في رسالتها التنبيهية إلى صرخة تتضمن قدرًا من البشاعة والألم لتتساوى مع بشاعة ما يحدث من جرائم ضد المرأة.
دلالة العنوان:
العنوان نفسه يقدّم مفارقة صادمة: "حُب بنكهة الموت". الحب هنا ليس نقيض العنف، بل قد يكون أحد أقنعته. تقول الدكتورة هويدا في لحظة كاشفة: "هي ترى في نفسها البطل المنقذ لأمها… حُبها لأمها أضرّها أكثر مما أفادها… إنه حب بنكهة الموت."
بهذه الجملة يتكثّف جوهر الرواية: حين يُختزل الحب إلى غريزة حماية عمياء، يمكن أن يتحوّل إلى أداة تدمير.
من الجريمة إلى جذورها:
ثمة مقولة تنسب لفيودور ديستوفيسكي: "يعاقبك الآخرون بالطريقة التي عوقبوا بها من قبل. إنها طريقتهم للثأر من الماضي." تستطرد الرواية في إكمال هذا المعنى بقول على لسان دعاء تدافع به عن نفسها وتدينها في الوقت نفسه: "لم أثأر من الماضي إلا بقدر ما أرغب في وضع حد للجريمة في المستقبل. إنني أغلق الدائرة مفضلةً الموت، وتجنبًا لاحتمال ولو بسيط في الثأر من أبنائي الذين أنقذهم بعدم إنجابهم...
دعاء، بطلة الرواية، لا تُقدَّم بوصفها "شريرة"، بل بوصفها نتاج تاريخ طويل من الإهانة والقهر والعنف الأسري. في أحد مقاطع الاعتراف الداخلي تقول: "في ذلك المنزل، الشبيه بقبو، دُفنَت طفولتي وسُلب مني الأمان، وخُلِّدَ فيه الألم والقسوة والصراخ..."
الأب ليس مجرد ضحية أخيرة، بل حلقة في سلسلة: هو نفسه ابن بيئة عنيفة، ووارث لثقافة قمعية يعيد إنتاجها داخل أسرته. لهذا تقول هويدا عبارتها المفصلية: "أسوأ الجرائم هي جرائم المستقبل، ما لم نضع لها حدًا في الحاضر."
الجريمة، من هذا المنظور، ليست حدثًا طارئًا، بل نتيجة منطقية لتراكم طويل من الإذلال ومن الجرائم التي لا تقل بشاعة.
لكن ليس كل الرجال أشرار، هناك شخصيات طيبة منهم: "سعد" والد أماني، وبكر زوج منار، وفتحي زوج ليلى، و"عبد الواحد" شقيق "عامر". عبدالواحد هو نموذج نقيض لأخيه عامر يثبت أن العنف، وسوء الخلق، لا يورثان، بل يمكن للمرء أن يتخلق بأخلاق مغايرة لأخلاق اكتسبها أسلافه وتوارثوها. اللافت أن جميع هذه الشخصيات تعيش خارج اليمن! في السعودية التي نرى فيها صورة نقيضة لليمن غير السعيد!
الإعلام- من كشف الحقيقة إلى صناعة الفرجة:
تلعب شخصية الإعلامية نرجس دورًا مهمًا في كشف وجه آخر من المأساة: تحويل الألم إلى مادة استهلاكية. في وصفها لمسرح الجريمة نسمع لغة مشبعة بالإثارة: "كيف استطاعت فعل هذا؟ وكيف خطرت لها هذه الفكرة؟ نرى هنا ساطورًا "سكين الجزارين" ومنشارًا كهربائيًا وحبلًا وعصا حديدية وسوطًا. ويمكن للمخيلة أن تتصور ما جرى وما الجريمة التي ارتكبها المجني عليه ليُقتل بهذه الطريقة."
الرواية هنا تُدين منطق الإعلام: الرغبة في الصدمة، في الصورة، في السبق الصحفي، ولو على حساب الإنسان. تقول نرجس في تقريرها أمام الكاميرا: "هذه الفتاة منعدمة الإنسانية والضمير والإحساس! إنها شيطان!" لكن حين تلتقي بعيني دعاء تعترف: "بعد انتهائي من التصوير، وخروجي من المبنى، والتقاء عيني بعينيّ دعاء للحظة، رأيت فيهما قسوة ممتزجة بحزن وعجز."
هنا يتسرّب الشك إلى الخطاب الإعلامي نفسه: ماذا لو كانت القصة أعقد من صورة "الوحش" الجاهزة؟
عدالة أم انتقام؟:
في مشهد المحكمة، يُحسم الحكم سريعًا. قانونيًا، يبدو كل شيء واضحًا. لكن الرواية تزرع سؤالها في مكان آخر: هل يكفي الحكم لمعالجة الجريمة؟
الدكتورة هويدا تطرح رؤية مختلفة:
"الفتاة مريضة، نعم، لكنها لن تؤذي أحدًا… المرحلة الأخطر ستكون بعد خروجها، حين تصطدم بالمجتمع الذي سيُذكرها بكل شيء."
هنا يصبح المجتمع شريكًا في إعادة إنتاج المأساة.
النساء في قلب الدائرة:
من حسناء الجدة، إلى أماني الأم، إلى دعاء الابنة، نرى سلسلة نساء يُسحقن بصمت. أماني، التي "امتص أحدهم دمها وتركها جلدًا على عظم"، ليست سوى نموذج لامرأة تُستنزف باسم الزواج والصبر والواجب.
وحين تقول الرواية عن حسناء: "إن تطلقت، ستحوم حولها الذئاب البشرية. لذلك، بقيت حسناء تحترق بصمتٍ، وكان الصمت أكثر ألمًا."
بهذا تدين الرواية ثقافة كاملة تصم المطلقة وتجبرها على قبول مصيرها.
البناء السردي- تفكيك لا تصعيد:
تعتمد الرواية على التشويق التقليدي، وعلى التفكيك التدريجي: نعرف النهاية، لكننا نغوص في الطبقات التي صنعتها. تتقاطع الأصوات: اعتراف دعاء، بضمير المتكلم، يُختتم بسرد هويدا، بضمير الغائب، عين الإعلام، ذاكرة العائلة… ليصبح النص أقرب إلى تشريح اجتماعي منه إلى حكاية بوليسية.
"حب بنكهة الموت" لا تبرّئ القاتلة، لكنها تُدين المجتمع الذي صنعها. لا تمجّد الجريمة، بل تضعها في سياقها: سياق العنف المتوارث، والسكوت الطويل، والخذلان المتكرر. هي رواية عن كيف يمكن للإنسان أن يُدفَع إلى حافة لا عودة منها، لا لأنه شرير، بل لأنه تُرك طويلًا بلا أمل في النجاة. وفي هذا تكمن قوة النص: أنها لا تريح القارئ بإجابة أخلاقية جاهزة، بل تتركه أمام سؤال مؤلم: كم جريمة تمارس الآن في البيوت، باسم التربية، وباسم الصبر، وباسم "السَّتر"؟
***
كلمة الغلاف رياض الحَمَّادي
فكرة لوحة الغلاف ببرامج الذكاء الآلي: رياض الحَمَّادي
تصميم الغلاف أمنية محمد
